الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

189

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وليس ذلك لمجرد نقل حركة الهمزة على اللام كما توهمه النحّاس ، ولا لأن القراءة اغترار بخط المصحف كما تعسّفه صاحب « الكشاف » على عادته في الاستخفاف بتوهيم القراء ، وقد علمتم أن الاعتماد في القراءات على الرواية قبل نسخ المصاحف كما بيناه في المقدمة السادسة من مقدمات هذا التفسير فلا تتبعوا الأوهام المخطئة . وقد اختلف في أن أصحاب ليكة هم مدين أو هم قوم آخرون ساكنون في ليكة جوار مدين أرسل شعيب إليهم وإلى أهل مدين . وإلى هذا مال كثير من المفسرين . روى عبد اللّه بن وهب عن جبير بن حازم عن قتادة قال : أرسل شعيب إلى أمتين : إلى قومه من أهل مدين وإلى أصحاب الأيكة . وقال جابر بن زيد : أرسل شعيب إلى قومه أهل مدين وإلى أهل البادية وهم أصحاب الأيكة . وفي « تفسير ابن كثير » : روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة شعيب عليه السلام من طريق محمد بن عثمان بن أبي شيبة بسنده إلى عبد اللّه بن عمرو قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن قوم مدين وأصحاب الأيكة أمتان بعث اللّه إليهما شعيبا النبي » ، وقال ابن كثير : هذا غريب ، وفي رفعه نظر ، والأشبه أنه موقوف . وروى ابن جريج عن ابن عباس أن أصحاب الأيكة هم أهل مدين . والأظهر أن أهل الأيكة قبيلة غير مدين فإن مدين هم أهل نسب شعيب وهم ذرية مدين بن إبراهيم من زوجه « قطورة » سكن مدين في شرق بلد الخليل كما في التوراة ، فاقتضى ذلك أنه وجده بلدا مأهولا بقوم فهم إذن أصحاب الأيكة فبنى مدين وبنوه المدينة وتركوا البادية لأهلها وهم سكان الغيضة . والذي يشهد لذلك ويرجحه أن القرآن لمّا ذكر هذه القصة لأهل مدين وصف شعيبا بأنه أخوهم ، ولما ذكرها لأصحاب ليكة لم يصف شعيبا بأنه أخوهم إذ لم يكن شعيب نسيبا ولا صهرا لأصحاب ليكة ، وهذا إيماء دقيق إلى هذه النكتة . ومما يرجح ذلك قوله تعالى في سورة الحجر [ 78 ، 79 ] وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ ، فجعل ضميرهم مثنى باعتبار أنهم مجموع قبيلتين : مدين وأصحاب ليكة . وقد بيّنّا ذلك في سورة الحجر . وإنما ترسل الرسل من أهل المدائن قال تعالى : وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا يوحى إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى [ يوسف : 109 ] وتكون الرسالة شاملة لمن حول القرية . وافتتح شعيب دعوته بمثل دعوات الرسل من قبله للوجه الذي قدمناه . وشمل قوله : أَ لا تَتَّقُونَ النهي عن الإشراك فقد كانوا مشركين كما في آية سورة